أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
321
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الثاني : الرفع على خبر ابتداء مضمر ، تقديره : أمرك إمّا إلقاؤك ، وإما إلقاؤنا . الثالث : أن يكون مبتدأ خبره محذوف ، تقديره : إمّا إلقاؤك مبدوء به ، وإمّا إلقاؤنا مبدوء به . وإنما أتى هنا ب « أَنْ » المصدرية قبل الفعل ، بخلاف قوله تعالى : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ لأن « أَنْ » وما بعدها هنا إما مفعول به ، وإما مبتدأ ، والمفعول به والمبتدأ لا يكونان فعلا صريحا ، بل لا بدّ أن ينضم إليه حرف مصدري يجعله في تأويل اسم . وأما آية التوبة ، فالفعل بعد « إِمَّا » إما خبر ثان ل « آخرون » وإمّا صفة له ، والخبر والصفة يقعان جملة فعلية من غير حرف مصدري . وحذف مفعول الإلقاء للعلم به ، والتقدير : إما أن تلقي حبالك وعصيك ، لأنهم كانوا يعتقدون أنه يفعل كفعلهم ، أو نلقي حبالنا وعصينا . قوله : وَاسْتَرْهَبُوهُمْ . يجوز أن يكون استفعل فيه بمعنى أفعل ، أي : أرهبوهم ، وهو قريب من قولهم : قرّ واستقرّ ، وعظم واستعظم ، وهذا رأي المبرد ، ويجوز أن تكون السين على بابها ، أي : استدعوا رهبة الناس منهم ، وهو رأي الزجاج . قوله : أَنْ أَلْقِ . يجوز أن تكون المفسرة لمعنى الإيحاء ، ويجوز أن تكون مصدرية ، فتكون هي وما بعدها مفعول الإيحاء . قوله : « تَلْقَفُ » قرأ العامة « تلقّف » بتشديد القاف ، من « تَلْقَفُ » ، والأصل : تتلقف بتاءين ، فحذفت إحداهما ، إما الأولى ، وإما الثانية ، وقد تقدم ذلك في نحو : تَذَكَّرُونَ » * . والبزي على أصله في إدغامها فيما بعدها ، فيقرأ « فإذا هي تّلقّف » بتشديد التاء أيضا ، وقد تقدم تحقيقه عند قوله : « وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ » « 1 » وقرأ حفص « تَلْقَفُ » بتخفيف القاف ، من لقف ، ك علم يعلم ، وركب يركب ، يقال : لقفت الشيء ألقفه لقفا ولقفانا ، وتلقفته أتلقفه تلقفا : إذا أخذته بسرعة فأكلته ، أو ابتلعته . وفي التفسير أنها ابتلعت جميع ما صنعوه ، وأنشدوا على لقف يلقف ، ك علم يعلم قول الشاعر : 2279 - أنت عصا موسى التي لم تزل * تلقف ما يصنعه السّاحر « 2 » ويقال : رجل ثقف لقف ، وثقيف لقيف : بيّن الثقافة واللّقافة ، ويقال : لقف ولقم بمعنى واحد ، قاله أبو عبيد ، ويقال : لقف ولقم ولهم بمعنى واحد . والفاء في « فَإِذا هِيَ » يجوز أن تكون العاطفة ، ولا بدّ من حذف جملة قبلها ، ليترتب ما بعد الفاء عليها ، والتقدير : فألقاها فإذا هي . ومن جوز أن تكون الفاء زائدة في نحو : خرجت فإذا الأسد حاضر جوز زيادتها هنا ، وعلى هذا فتكون هذه الجملة قد أوحيت إلى موسى كالتي قبلها . وأما على الأول - أعني : كون الفاء عاطفة - فالجملة غير موحى بها إليه . و « ما يَأْفِكُونَ » يجوز في « ما » أن تكون بمعنى الذي والعائد محذوف ، أي : الذي يأفكونه ، ويجوز أن تكون مصدرية ، والمصدر حينئذ واقع موقع المفعول به ، وهذا لا حاجة إليه .
--> ( 1 ) انظر سورة البقرة ، آية ( 267 ) . ( 2 ) انظر تفسير القرطبي ( 7 / 260 ) ، معاني القرآن للزجاج ( 2 / 405 ) .